فخر الدين الرازي
196
تفسير الرازي
المن والاستكثار أي أترك هذا الأمر لأجل مرضاة ربك وثانيها : إذا أعطيت المال فلا تطلب العوض ، وليكن هذا الترك لأجل ربك وثالثها : أنا أمرناك في أول هذه السورة بأشياء ونهيناك عن أشياء فاشتغل بتلك الأفعال والتروك لأجل أمر ربك ، فكأن ما قبل هذه الآية تكاليف بالأفعال والتروك ، وفي هذه الآية بين ما لأجله يجب أن يؤتى بتلك الأفعال والتروك وهو طلب رضا الرب ورابعها : أنا ذكرنا أن الكفار لما اجتمعوا وبحثوا عن حال محمد صلى الله عليه وسلم قام الوليد ودخل داره فقال القوم : إن الوليد قد صبأ فدخل عليه أبو جهل ، وقال : إن قريشاً جمعوا لك مالاً حتى لا تترك دين آبائك ، فهو لأجل ذلك المال بقي على كفره ، فقيل لمحمد : إنه بقي على دينه الباطل لأجل المال ، وأما أنت فاصبر على دينك الحق لأجل رضا الحق لا لشيء غيره وخامسها : أن هذا تعريض بالمشركين كأنه قيل له : * ( وربك فكبر ) * ( المدثر : 3 ) لا الأوثان * ( وثيابك فطهر ) * ( المدثر : 4 ) ولا تكن كالمشركين نجس البدن والثياب * ( والرجز فاهجر ) * ( المدثر : 5 ) ولا تقربه كما تقربه الكفار * ( ولا تمنن تستكثر ) * ( المدثر : 6 ) كما أراد الكفار أن يعطوا الوليد قدراً من المال وكانوا يستكثرون ذلك القليل * ( ولربك فاصبر ) * على هذه الطاعات لا للأغراض العاجلة من المال والجاه . * ( فَإِذَا نُقِرَ فِى النَّاقُورِ ) * . اعلم أنه تعالى لما تمم ما يتعلق بإرشاد قدوة الأنبياء وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، عدل عنه إلى شرح وعيد الأشقياء وهو هذه الآية ، وههنا مسائل : المسألة الأولى : الفاء في قوله : * ( فإذا نقر ) * للسبب كأنه قال : * ( اصبر على أذاهم ) * فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم ، وتلقى أنت عاقبة صبرك عليه . المسألة الثانية : اختلفوا في أن الوقت الذي ينقر في الناقور ، أهو النفخة الأولى أم النفخة الثانية ؟ فالقول الأول : أنه هو النفخة الأولى ، قال الحليمي في كتاب المنهاج : أنه تعالى سمى الصور باسمين أحدهما الصور والآخر الناقور ، وقول المفسرين : إن الناقور هو الصور ، ثم لا شك أن الصور وإن كان هو الذي ينفخ فيه النفختان معاً ، فإن نفخة الإصعاق تخالف نفخة الإحياء ، وجاء في الأخبار أن في الصور ثقباً بعدد الأرواح كلها ، وأنها تجمع في تلك الثقب في النفخة الثانية ، فيخرج عند النفخ من كل ثقبة روح إلى الجسد الذي نزع منه فيعود الجسد حياً بإذن الله تعالى ، فيحتمل أن يكون الصور محتوياً على آلتين ينقر في إحداهما وينفخ في الأخرى فإذا نفخ فيه للإصعاق ، جمع بين النقر والنفخ ، لتكون الصيحة أهد وأعظم ، وإذا نفخ فيه للإحياء لم ينقر فيه ، واقتصر على النفخ ، لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها لا تنقيرها من أجسادها ، والنفخة الأولى للتنقير ، وهو نظير صوت الرعد ، فإنه إذا اشتد فربما مات سامعه ، والصيحة الشديدة التي يصيحها رجل بصبي فيفزع منه فيموت ، هذا آخر كلام الحليمي رحمه الله